“لا تستعن بذريعة أعدائك” كما يُبشِّر محمود درويش، ولا تمارس نفس السلوك الذي تكرهه وتذمه، لكنك عندما ستفعل ذلك.. إلى الجحيم يا إزدواجي يا متناقض! من يهتم؟!
يتكرر حدوث هذا معي للحد الذي يشعرني بالملل من مقارعة الأمر بالحجة نفسها، ووصلت للمرحلة التي لا أبالي فيها بأن أبقى في موقع ضعيف الحجة أو المستسلم أو حتى المخطئ الذي يتلمس العذر دون أن يُصرّح بطلبه، مجادلة مومياء توقّف عن التفكير منذ ما يزيد على ألف سنة هو العبث بعينه، هذا مع التساهل.. هذا إن كان فكّر يوماً ما بالأساس.
السيناريو المُعتاد، الشيخ يقول ويحكي كذا وكذا، فيُرد: أين الإثبات على ذلك؟ ما هذه الخرافات؟، فيقال: استغفر الله.. هذا شيخ جليل نذر عمره (لجانب بعض التجارة البسيطة التي تدر عليه الملايين) في سبيل وعظ وإصلاح الشباب الواعد، فيحكي ما حدث مع عايض القرني وقرار المحكمة بإدانته وتغريمه في قضية السرقة من الكاتبة سلوى العضيدان، فيأتي الجواب الخارق: إنه بشر يُصيب ويخطئ وليس معصوماً! (ألطم؟!) هذه هي الفكرة منذ البداية بحق الله! منذ البداية نحاول أن نقول ببساطة أنه لا بُسلّم بتنزيه هذا الشيخ الجليل وسواه وعصمته عن الخطأ، كيف الآن بعد أن يُجاء بما يثبت خطأ أحدهم تُعاد علينا نفس فكرته! من الذي كان يلمح ويصرّح أن لا حق لنا في سؤالهم ومساءلتهم لمجرد أنهم ملتحين يقرؤون علينا في المحاضرات بعض القرآن ويغرقوننا بآرائهم المدعّمة بتأييد الله!
هناك بيننا.. أناس بسطاء مثلنا يعرضون رؤوسهم للاستعارة، ثم يعيّنون أنفسهم مسؤولي محاكم تفتيش على الإيمانيات والنوايا، وعلى حراسة قداسات الباباوات المتوفرين بكثرة في حياتنا، حياتنا التي امتلأت ديناً.. وتجوّفت روحانياً، هم الكنسية وسلطان الكاتدرائية وأنت المهرطق، تحل عليك اللعنة والغضب والطرد من النعيم والرضا الاجتماعي.. باسم الرب ورجال الرب، باسم الأب والابن والروح القدس! غير أنهم مسلمون موحّدون، مما يؤدي إلى أنه يصبح باسم الرب.. في سبيل جلالة رجال الدين.
من المسؤول عن تنامي كل هذه الكهنوتية؟ (أسلوب استفهامي رخيص
)إعادة إنتاج هالات القدسية هذه أمر مقزز، مقزز حرفياً، لا بأس بالاختلاف، والخلاف أيضاً، والتشاتم ولعن الأصل والأجداد حتى، لا بل إن التصادم نفسه حلال، البأس بأن يستعين المختلف عليك بتأييد الله له! الأمر الذي ينسف مسبقاً أي كلام قد تقوله، ويدعّم أي هراء قد يقوله هو.. بل ويكسبه الحصانة أيضاً، نحن مجتمع بائس يعيد إنتاج مفهوم محاكم التفتيش ببؤس شبه حرفي، إلا أننا لم نحرق أحداً بعد، إلى أين انتهت محاكم الرب تلك؟ نعم.. لخدمة السياسة، الدين طيّع جداً في خدمة السلطة، لطالما كان.. ويكون، إلى أين يذهب رجال الدين الآن؟ باسم الرب من يخدمون بتأصيل الطاعة والخنوع؟ بعقول من يعبثون؟ في سبيل الجنة كم يُخضِعون؟ المُشهّر بخطئه منهم إنسان يخطئ ويصيب فلا يُلام، والمستور عنه وعليه منهم.. ملاكٌ مرفوع عنه الكلام، وعن كلامه يُمنع -بغير الانصياع والطاعة- الكلام.
بالمناسبة، محاكم التفتيش الإسبانية لم تُنشأ لمحاربة الإسلام، بل بدأت أعمالها المجيدة لتطهير المجتمع المسيحي من اليهود المتخفّين. وحسناً، أنا تملؤني الرأفة.. رغم كل ما أحاوله من شحذ لهذه الرهافة في روحي، أبقى وأظل أرى بيننا كهنة المحاكم و”ملاحقي الساحرات”، ولو كنت تدري عن حرق الساحرات ففي ذلك خير، وإن لم تكن تدري.. فاسأل عن آخر هدر دم بسبب الردة عن الدين، هذا مقارب جداً وكفيل بالشرح وأيضاً يحدث في العام 2012.
تريد الحصانة في صحرائنا هذه؟ لن تحتاج لمقعد في أي مجلس، أطلق لحيتك واحمل مسبحة!
* كون شر البلية ما يضحك، الصورة لمومياء مُزال دماغه، ومحشو بخشب الجوز، كم هم المؤجرين أدمغتهم.. وأولئك المحشوة رؤوسهم بخشب جوز عفِن وهم مومياءات تسير بيننا؟




